ألقينا الضوء سابقًا على المفهوم التقدمي للاستقلال الوطني في مقالتنا الأولى بعنوان “الثورة والاستقلال الوطني”، ثم تطرقنا إلى نشأة الأمة المصرية قبل التاريخ في مقالة بعنوان “أهل مصر.. أمة قبل التاريخ”، وعصر الدولة الفرعونية القديمة وعصر الاضمحلال الأول في مقالة بعنوان “الدولة الفرعونية القديمة”، والعصر
الفرعوني الوسيط وعصر الاضمحلال الثاني في مقالة بعنوان “الدولة الفرعونية الوسطى”، وعصر الدولة الفرعونية الحديثة وعصر الاضمحلال الثالث في مقالة بعنوان “الدولة الفرعونية الحديثة”، ومقالتنا هذه عن “مصر البطلمية 2-2”.
دب الضعف في الدولة البطلمية منذ النصف الثاني من الحكم البطلمي، ولم تتوقف ثورات المصريين على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمشاحنات السياسية التي زادت من تردي تلك الأوضاع، فعندما توفى بطليموس الخامس “أبيفانس” في الثامنة والعشرين من عمره، ارتقى العرش مرة أخرى طفل صغير، عانت مصر في عهده كثيرًا من جشع الأوصياء وفساد حكمهم، ومن النزاع بين بطلميوس السادس فيلومتور وأخيه الصغير الذي عرف فيما بعد باسم بطلميوس يورجتيس الثامن. حاول القائد العسكري المصري “ديونيسيوس بتوسيرابيس” وهو من الطبقة المصرية الأرستقراطية التي تم تصفيتها بتأميم ممتلكاتها، باستثناء من عملوا كقادة كبار في الجيش، حاول استغلال هذا النزاع لتحقيق الآمال التي كانت تجيش في صدور المصريين منذ مدة طويلة، وبيان ذلك أن هذا الزعيم، الذي كان يتولى منصبًا كبيرًا في القصر ويتمتع بنفوذ كبير بين المصريين ولعب دورًا ممتازًا في الحرب ضد أنطيوخوس وذاعت شهرته الحربية بين الناس، أراد في عام 195 – 164 أن يتخلص من الملكين الأخوين الواحد بعد الآخر، باستثارة خواطر الإسكندريين ضد بطلميوس السادس فيلومتور، حتى إذا ما تم له ذلك استنفر فيما يبدو وطنية الأهالي ضد بطلميوس الصغير. لكن فيلومتور خيب عليه خطته بمصالحة أخيه، فانسحب ديونيسيوس إلى اليوسيس، ضاحية الإسكندرية، حيث التف حوله 4000 من الجنود لعلهم كانوا جميعًا من المصريين، وعندما انقض عليهم فيلومتور وهزمهم، تمكن ديونيسيوس من الفرار وإشعال لهيب الثورة في البلاد. تولى فيلومتور بنفسه إخماد الثورة بمعاونة قوات كبيرة، واستطاع إخمادها بسهولة في منطقة طيبة فيما عدا مدينة بانوبوليس (مدينة أخميم الحالية) التي قاومته مقاومة عنيفة، إذ يبدو أن صعوبة الوصول إليها بسبب ارتفاعها ساعد الثوار على الاعتصام بها، فلم يتوصل الملك إليها إلا بعد حصار شديد، وبعد ذلك عاقب الثوار ثم عاد إلى الإسكندرية. وبذلك نجد أن الثورة قد تركزت هذه المرة أيضًا في أحد معاقل عبادة آمون كما حدث في ثورة عهد فيلوباتور، كما تكرر مساعدة النوبيين للمصريين في ثورتهم. إن عددًا كبيرًا من المصريين اشتركوا في الثورة وهلكوا في معاركها العديدة، أو أعدموا بعد إخماد الثورة، أو بقوا مختفين في الصحارى والمستنقعات، فترتب على كل ذلك قلة اليد العاملة في كل أنحاء البلاد، وصاحب ذلك أيضًا قلة الماشية، وتبعًا لذلك تأثرت الزراعة إلى حد بعيد كما تأثرت دون شك الصناعة والتجارة. لكن الزراعة كانت تعني الحكومة قبل كل شيء لتوفير غذاء سكان البلاد ولأنها كانت مورد الحكومة الرئيسي، ولما لم يعد يجدي استصراخ همة المتيسرين لإنقاذ الموقف، فإنه تقرر إرغام الجميع على المساهمة في زراعة الأراضي المهجورة. ولم يفي هذا القرار الغرض المنشود منه، فمن ناحية أخذ الموظفون ينفذونه بنشاط جم ولكن دون تفكير، ذلك أنهم فسروا كلمة “الجميع” حرفيًا ومن ناحية أخرى يبدو أن الأثرياء وذوي النفوذ استطاعوا أن يتخلصوا من العبء برشوة الموظفين واستغلال نفوذهم، فوقع كل العبء أو أكثر على التاعسين الذين لا نفوذ لهم ولا مال يحيمهم من غائلة الموظفين. ولما كان أغلبهم من مزارعي الملك الفقراء والجنود المصريين بوجه خاص فإن الموقف كان دقيقًا، ولاسيما أن عدد الجنود المصريين الذين منحوا اقطاعات ازداد سريعًا منذ عهد فيلوباتور، و كانوا يتمتعون بمركز هام في الجيش عقب موقعة رفح، و عددًا منهم كان معسكرًا في الإسكندرية بمثابة حرس خاص للملك، وإزاء الأعباء التي ألقيت على كاهلهم تقدموا بظلاماتهم إلى الملك، الذي خشى هو ومستشاروه عاقبة الأمر، فبادر بإرسال تعليمات إلى مرؤوسيه لرفع العبء الذي لحق بالجنود المصريين وطبقات السكان الدنيا بوجه عام والمصريين بوجه خاص، وكان ثائرًا على مرؤوسيه لغباوتهم، فإنه لم يقصد “بالجميع” كل فرد بل جميع القادرين على تحمل العبء. وقد كان الإرغام سلاحًا خطيرًا، وكان بعض الأهالي يحاولون تفادية والبعض الآخر يقابلونه بالشكاوي المريرة والإضراب عن العمل وهجر مواطنهم، مما كان يساعد على إشعال لهيب الثورة، ولذلك فإن الحكومة كانت لا تلجأ دائمًا إليه، أو كانت تحاول تخفيف عبئه، بإنقاص الإيجار أو منح بعض الامتيازات للزراع لقاء استصلاح الأراضي البور المهجورة، وذلك بإعفائهم من الإيجار مدة عشر أو خمس سنوات، ثم فرض إيجار أسمي مدة معينة، وبعد ذلك يحصل الإيجار كاملًا. وإذا كانت النتيجة مُرضية في بعض الحالات، حيث أُعيدت الأرض إلى حالتها السابقة، فإنها لم تكن كذلك بوجه عام لأنها لم تضع حدًا لإطراد زيادة مساحة الأراضي غير المزروعة التي كانت الحكومة لا تصيب منها أي دخل. وقد كان يزعج الحكومة كذلك نقص مواردها من الضرائب فكانت تضغط على الملتزمين، واستخدموا كل وسيلة مشروعة وغير مشروعة في امتصاص دمائهم. إن بعض الجنود المصريين كانوا موالين للملك، على حين اشترك البعض الآخر في الثورة ضده، ويدل نجاح البطالمة في إخضاع الثورات المصرية على أنه إذا كان الكثيرون من الجنود المصريين قد اشتركوا في هذه الثورات، فإن غالبيتهم موالين للملك، ويبدو أن الكهنة المصريين قد انقسموا أيضًا بين ثائرين على المك وموالين له. إن القضاء على الثورة لم يضع حدًا للاضطرابات في مصر، ولذلك فإنه ما كاد فيلومتور يعود من روما بعد أن أحرز نصرًا سياسيًا على أخيه الصغير، حتى أعلن في عام 163 عفوًا يشمل كل الذين كانوا مختبئين أو أتهموا باشتراكهم في الثورة، وعلى الرغم من ذلك لم يستتب الهدوء والأمن في البلاد.
في عام 131 ق.م أعطت الإسكندرية شارة البدء بالثورة من جديد، ففي ذلك العام أجبرت كليوبترا الثانية وأنصارها الملك على الهرب من الإسكندرية، فالتجأ إلى قبرص لكن غيبته عن مصر لم تزد على بضعة شهور وإن كان لم يفلح في استرداد الإسكندرية ذاتها قبل أغسطس عام 127 ق.م. ويرى بعض المؤرخين أن مصر رجحت إصدار هذا الخلاف وانقسمت فريقين، وأنه كان يؤيد كليوبترا الثانية على الجانب الأكبر الإغريق والمتأغرقين وكذلك اليهود وجانب من الجيش وسائر خصوم كهنة آمون، على حين كان يؤيد بطلميوس الثامن بقية الجيش وكثير من المصريين أو من المحتمل غالبيتهم بزعامة الكهنة، وأن هذه الحرب الأهلية كانت حقًا مزيجًا من النزاع الأسري والثورة القومية، وأنه عمت البلاد فوضى عنيفة أمعن القدماء في وصف فظائعها وأهوالها. وكان الموقف الطبيعي لغالبية المصريين هو مناهضة هذا الحزب إشفاءً لغليل حقدهم على عنصرية سلطة البطالمة ومن هادنهم من المصريين، فبدوا كما لو كانوا يناصرون بطلميوس الثامن، وعلى كل حال يبدو أن المصريين انتهزوا فرصة ضعف الحكومة للإعراب عن مشاعرهم المكبوتة إزاء ما كانوا يعانونه من الإرهاق والظلم. وبينما اتخذ غضب المصريين في الوجه البحري ومصر الوسطى شكل الإضراب عن العمل، اتخذ في مصر العليا شكل قتال بين المدن والقرى بعضها مع بعض، فقد كانت بعضها لا يعترف إلا ببطلميوس الثامن ملكًا شرعيًا، والبعض الأخر لا يعترف إلا بكليوبترا الثانية. ولم تؤد عودة بطلميوس الثامن إلى الإسكندرية في عام 127 ق.م، ولا عقد الصلح بينه وبين كليوبترا الثانية في عام 124 إلى انتهاء الثورات في البلاد، ولما لم تكف القوة وحدها في القضاء على الاضطرابات والقلاقل والثورات، فإن بطلميوس الثامن حاول وضع حد لذلك بإصدار قرار أو سلسلة قرارات لمعالجة الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة والنتائج التي ترتبت عليها. فمنح بعض الامتيازات لفئات مختلفة من سكان البلاد، مثل الكهنة والجنود وملاك الأراضي الذين أقبلوا على استصلاح الأراضي المهجورة، ولكن هذه الامتيازات وإن كانت قد عدلت النظام الاقتصادي الذي وضعه البطالمة الأوائل بتخفيف إشراف الحكومة على نشاط الأفراد الاقتصادي، فإنها لم تستطع وقف تيار التدهور، ولم تقض على إرهاق الحكومة للأهالي، ولذلك استمروا في تذمرهم ويتطلعون إلى القيام بثورة جديدة. وقد أتاحت لهم ذلك ظروف عهد بطلميوس الثامن، الذي كان عامرًا بالنزاع الأسري والإضطراب كما اشرنا سابقًا، وعلى الرغم من أن الملك الجديد اقتفى أثر أسلافه وأصدر في بداية حكمه قرار عفو فإن السكينة لم تستتب في البلاد، إذ ورد في الوثائق عن مقاومة رجال الشرطة في الفيوم لنشاط جماعات المزراعين الهاربين من أراضيهم، مما حدا بالكهنة إلى الشكوى منها وانتهاز الفرصة لتأييد حقوق يبدو أن بطلميوس الثامن كان قد منحهم أياها في بداية حكمه، فإنه استجابة لشكوى بعض الكهنة أصدر قرارًا جديدًا وجهه لجميع موظفي الإدارة وعمال المالية، وقد جاء في هذا القرار أنه، يجب عدم المساس بموارد المعابد، وإلا يقوم أحد لأي سبب بجمع هذه الموارد فيما عدا من عينهم الكهنة لهذا الغرض، ويجب إرغام المتقاعسين على أداء التزاماتهم المستحقة عليهم للمعابد بانتظام، وذلك لكي يحصل الكهنة على كل مواردهم كاملة ولا يعوقهم شيء عن القيام بواجباتهم الدينية، وإذا كان عمال الكهنة هم الذين أصبحوا يجمعون كافة موارد المعابد بمقتضى ما أقره بطلميوس الثامن، فإن هذا ينهض دليلًا على أن الحكومة لم تعد على الأقل رسميًا منذ حوالي منتصف القرن الثاني تدير أراضي المعابد، وهذا فوز كبير للكهنة لم يفلحوا في استخلاصه من براثن البطالمة إلا نتيجة لتقلقل مركزهم وضعف سلطانهم.
وليس أدل على ضنك الطبقات العاملة وسوء حالتها من أن عادة وأد الأطفال قد انتقلت تدريجيًا من الإغريق إلى المصريين، وتفشت بين الطبقات العاملة خاصة، وكل ما فعلوه هو أنهم حاولوا حماية أولئك التاعسين من جور موظفي الحكومة العابثين، فقد بقى زراع الملك والصناع وأرباب المهن والحرف المختلفة أداة في قبضة الحكومة لإمداد الملك بموارده، دون أن يكون لهم من الحرية الاقتصادية إلا قسط محدود جدًا. وقد حاولت الحكومة بشتى الطرق إقناع الطبقات العاملة بأن دورهم في الحياة مقصور على خدمة موارد الملك بسواعدهم، فكان طبيعيًا ألا يقبل الملايين من الزراع والصناع والعمال على عملهم بحماس ونشاط، على الرغم من تظاهرهم بمشاطرة الحكومة أفكارها. ولذلك كثيرًا ما أهملوا الزراعة وتراخوا في إصلاح الجسور وتطهير القنوات وفي القيام بأعمالهم في المصانع والحوانيت، وكثيرًا ما كان الزراع لا يقدمون كل حبوبهم لدرسها أو كل النباتات الزيتية لعصرها. وقد ترتب على هذه الروح ونقص اليد العاملة، بسبب الانقطاع عن العمل والاضطرابات الاجتماعية الشديدة، نتائج بعيدة المدى في مجالي الزراعة والصناعة، ولما كانت الحكومة تؤاخذ الموظفين على ذلك وتتطلب منهم النشاط في السهر على مواردها فإن الموظفين إزاء مسئوليتهم المادية والشخصية قبل الحكومة كانوا يضغطون بدورهم على مرؤوسيهم وهؤلاء على الطبقات العاملة. ولكي تساعد الحكومة موظفيها على الاضطلاع بأعمالهم، أطلقت يدهم من كل قيد ومنحتهم اختصاصًا قضائيًا واسعًا في الشؤون المالية، فأساء الموظفون السطات التي منحت لهم وأرهقوا الأهالي، حتى بدا أن الموظفين كانوا مصدر كل الشر الذي عاناه الأهالي. وقد حاول بطلميوس الثامن وغيره من البطالمة كبح جماح شهوات الموظفين دون طائل لأن السلطة المركزية لم تعد قادرة على تنفيذ قوانينها وأوامرها، وينهض دليلًا على ذلك أن حالة الطبقات العاملة لم تتحسن في آخر القرن الثاني وبداية القرن الأول، وأن سوء تصرفات الموظفين كان فاشيًا.
ولم تجد فتيلاً المحاولات التي بذلها بطلميوس الثامن لتهدئة البلاد، وعقب وفاته في عام 116 ق.م بقيت البلاد تعاني نفس ما كانت تعانيه في خلال حياته من ظلم، نتيجة لتدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية ونشوب الصراع على السطلة، وقد نشب هذا الصراع أولًا بين كليوبترا الثالثة وكليوبترا الثانية حتى وفاة الأخيرة في أواخر عام 116 ق.م. وثانيًا بين كليوبترا الثالثة وابنها الأكبر بطلميوس التاسع سوتر الثاني الذي أرغمها الإسكندريون على إشراكه معها في الحكم بدلًا من ابنها المفضل لديها بطلميوس إسكندر وانتهى الأمر بطرد سوتر الثاني (عام 107 ق.م) وذهابه إلى قبرص ليعد العدة لاسترداد عرشه. وثالثًا بين كليوبترا الثالثة وابنها بطلميوس إسكندر الذي لم يكن أسعد حظًا من أخيه مع أمه، فقد صممت على أن تقبض على كل السلطات، مما أثار الشحناء والبغضاء بينهما وبين أنصارهما إلى أن توفيت كليوبترا عام 101 ق.م، فحكم بمفرده إلى أن طرده الإسكندريون عام 89 ق.م ولقى حتفه في العام التالي. وعندئذ استرد سوتر الثاني عرشه وظل يتولاه إلى أن توفي عام 80ق.م. وبعد وفاة سوتر الثاني تربع على العرش بطلميوس أوليتس (الزمار) حتى عام 51 ق.م ، وكان الزمار ملكًا تافهًا أراق ماء وجهه وبدد ثروة مملكته في شراء اعتراف الرومان به ملكًا وحليفًا. وعندما سطت روما على قبرص آخر ممتلكات مصر الخارجية تذمر الإسكندريون تذمرًا شديدًا، وإزاء عجزه عن تهدئة ثائر رعاياه، ذهب إلى روما عام 58 ق.م يستعديها عليهم، وبعد غيبة دامت أكثر من عامين عاد إلى مصر عام 55 ق.م في حماية كتائب جابينيوس (حاكم سوريا الروماني) لقاء رشوة كبيرة، فانتقم من خصومه شر انتقام، وعين أكبر دائنيه (الممول الروماني رابيريوس) وزيرًا للمالية، فاعتصر دافعي الضرائب إلى حد أثار نقمتهم عليه وعلى الملك الزمار. وفي عام 51 ق.م توفى الزمار مكروهًا من شعبه ومحتقرًا من الرومان. وعقب الخلافات الأسرية التي شهدتها بداية حكم كليوبترا السابعة، أكتسبت مصر لفترة قصيرة أهمية سياسية عظيمة كانت أشبه بصحوة الموت، إذ أن روما لم تلبث أن ضمتها إلى إمبراطوريتها في عام 30 ق.م.
رغم التدهور الذي أصاب الدولة البطلمية منذ النصف الثاني لحكم البطالمة، إلا أن التطور العلمي والاختراعات كانت أكثر تقدمًا في مصر في عصر البطالمة منها في أي عصر آخر قبل روما الإمبراطورية. واهتم البطالمة اهتمامًا كبيرًا بالنواحي الاقتصادية وسعوا إلى تنمية موارد الدولة لتحقيق طموحاتهم الخارجية واهتماماتهم الداخلية، وقد انعكس هذا الاهتامام على كافة المرافق الإنتاجية وخاصة فيما يتعلق بالزراعه والصناعه والتجارة، واتسمت مجمل الأوضاع الاقتصادية بما يعرف بنظام رأسمالية الدولة، أو الاشتراكية الحكومية. ففي الزراعة، أبقى البطالمة نظام الفراعنة حيث كانت مَلكية الأرض من زمن بعيد عادة مقدسة في مصر، وكان لفرعون بوصفه ملكًا وإلهًا، حق كامل على الأرض وعلى كل ما تنتجه، ولم يكن الفلاح عبدًا، ولكنه لم يكن يستطيع أن يترك مكانه إلا بإذن الحكومة، وكان يُطلب إليه أن يورد الجزء الأكبر من محصوله إلى الدولة. فحافظ البطالمة على هذا النظام ووسعوا نطاقه باستيلائهم على الأراضي الواسعة التي كانت في عهد الأسر الحاكمة السابقة ملكًا للأعيان المصريين أو للكهنة. وكانت هيئة بيروقراطية كبيرة من الموظفين الحكوميين، يؤيدها حراس مسلحون، تدير شؤون أرض مصر كلها كأنها مزرعة حكومية ضخمة. وكان هؤلاء الموظفون يعينون لكل زارع تقريبًا قطعة الأرض التي ينبغي له أن يزرعها، والمحصولات التي يجب أن ينتجها، وكان في وسع الدولة أن تجنده هو ودوابه للعمل في المناجم، وإقامة المباني العامة، والصيد، وشق قنوات الري، وإنشاء الطرق. وكانت محصولاته تكال بمكاييل حكومية، ويدون الكتبة مقدارها، وتُدرس في الأجران الملكية، ويحملها الفلاحون أنفسهم إلى المخازن الملكية. وكان يُستثنى من هذا النظام بعض حالات، فقد كان البطالمة يجيزون للفلاح أن يمتلك بيته وحديقته، ويجيزون الملكية الخاصة في الحواضر، ويؤجرون قطعًا من الأرض للجنود يكافئونهم بها على ما قدموا للدولة من خدمات. ولكن هذه الأراضي المستأجرة كانت مقصورة في العادة على المساحات التي يوافق صاحبها على أن يخصصها للكروم، أو البساتين، أو أشجار الزيتون، ولم يكن يُسمح له أن يورثها لابنائه أو أن يوصي بها لمن يشاء، وكان للملك أن يلغي حق الإيجار متى أراد. ولما تحسنت حال هذه الأرض التي يشترك في ملكيتها الفرد والدولة بفضل جهود اليونان ومهارتهم، بدأ أصحابها يطالبون بأن يكون لهم حق توريثها لابناءهم. وكان العرف لا القانون يجيز هذا التوريث في القرن الثاني قبل الميلاد، ثم اعترف به القانون في القرن الأول قبل الميلاد، وتم بذلك التطور المألوف من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة. وما من شك في أن تطور هذا النظام الإشتراكي الحكومي، قد حدث لأن أحوال الزراعة في مصر كانت تتطلب من التعاون ووحدة العمل في الزمان والمكان أكثر مما تستطيع أن تهيئه الملكية الفردية، وأن مقدار ما يزرع من الغلات ونوعها يقفان على مقدار الفيضان السنوي، وكفاية نظام الري والصرف، وهذه كلها مسائل تتطلب أن تشرف عليها هيئة مركزية. وقد عمل المهندسون اليونان الذين استخدمتهم الحكومة على تحسين الأساليب القديمة، واستخدموا في زراعة الأرض وسائل أكثر انطباقًا على العلم وعلى الإنتاج الضيق الوفير، فأدخلوا استعمال الساقية والطنبور، وكانت اهم محصولاتهم الزراعية هي القمح والشعير والعدس والفول والكتان والفواكة والخضروات، وبفضل تركيز الإدارة الاقتصادية في يد الحكومة ونظام السخرة أمكن إقامة المنشآت العامة للتحكم في فيضان النيل، وإنشاء الطرق، وشق قنوات الري، وتشييد المباني، إلا أن ذلك الازدهار لم يدم طويلًا. فمنذ أواخر عصر بطلميوس الثالث ظهر نقص في مساحة الأرض المزروعة، وكذلك في الثروة الحيوانية وفي عدد سكان القرى وذلك أن النظام المالي الذي اتبعه البطالمة بما يتطلبه من ضرائب باهظة قد اثقل كاهل المزارعين مما دفعهم إلى ترك مزارعهم وإهمالها والتراخي في آداء عملهم بل وأحيانًا إلى الثورة ضد الحكام، وقد بذل البطالمة جهدًا كبيرًا لإصلاح الأحوال ولكنهم لم يتمكنوا من وقف تيار التدهور الذي هوى باقتصاديات البلاد بما فيهم الزراعة إلى الحضيض.. سارت الصناعة وسط ظروف مماثلة لهذه الظروف، فلم تكن الحكومة تمتلك المناجم فحسب، بل كانت تديرها بنفسها أو تستولي على ما يخرج من المعادن. واستغل البطالمة رواسب الذهب الغنية في بلاد النوبة، وكانوا يسيطرون على مناجم النحاس في قبرص وطور سيناء، ويحتكرون صناعة الزيت، ثم تبيعه إلى تجار التجزئة بالثمن الذي تريده هي، وتمنع المنافسة الأجنبية بالضرائب الجمركية العالية، وكانت أرباحها من هذه العملية تتراوح بين سبعين وثلاثمائة في المائة. ويلوح أن الحكومة كانت تجني أرباحًا مماثلة لهذا الربح من الملح، والنطرون (كربونات الصودا المستخدمة في صنع الصابون)، والبخور، والبردي، والمنسوجات. وكانت في البلاد مصانع للنسيج يمتلكها الأفراد، ولكنها كانت تضطر إلى بيع كل ما تنتجه إلى الحكومة. أما الصناعات الصغرى فقد تُركت للأفراد، وكانت الدولة تكتفي بالتصريح بها ومراقبتها، وابتياع جزء كبير من منتجاتها بالثمن الذي تحدده لها، وفرض ضريبة على أرباحها تُجبى لخزانتها. وكانت الصناعات اليدوية تقوم بها هيئات من العمال يتوارث أعضاؤها صناعاتهم بحكم التقاليد المرعية، وكانوا بحكم هذه التقاليد نفسها مرتبطين بقراهم ومنازلهم أيضًا. وكانت الصناعة متقدمة، فكانت العربات، وقطع الأثاث، والفخار، والأبسطة، ومواد التجميل تُصنع بكميات كبيرة، وكان صنع الزجاج ونسيج التيل من الصناعات التي اختصت بها الإسكندرية. وكانت الأدوات اللولبية والتروس، وطارات السيور، والضاغطات اللولبية، كانت هذه كلها معروفة ومستعملة، وتقدمت كيمياء الصباغة إلى حد إستطاعوا معه أن يعالجوا الأقمشة بالقواعد الكيميائية المختلفة بحيث إذا غُمر القماش في صبغة واحدة نتج عن ذلك عدد من الألوان الثابتة. وكانت مصانع الإسكندرية يديرها العبيد عادة، وكانت نفقاتهم القليلة تمكن البطالمة من أن يبيعوا منتجاتها في الأسواق الأجنبية بأقل مما تُباع به المصنوعات اليدوية اليونانية. وهكذا نجح البطالمة في استغلال مهارة المصريين ومواهب الإغريق في الارتقاء بمستوي الصناعه كما أن ما قام به العلماء من أبحاث واختراعات بدار البحث العلمي (الجامعه) بالإسكندرية قد زاد من تقدم الصناعة ورفع مستواها. وكان من نتائج ازدهار الصناعة في المدن أن نزح الكثيرون من أهل الريف إليها، وقد كانت الإســكندرية في مقدمة المدن التي ازدحمت بأعداد كبيرة من العمال والصناع. وكان أرباب كل مهنة وحرفة يتجمعون في أحياء معينة ويؤلفون نقابات تجمع شملهم. وقد قدر عدد العمال الذين كانوا في مصانع الإســكندرية حينذاك بما لا يقل عن 200.000 عامل. وهكذا ازدهرت الصناعة في الفترة الأولى من حكم البطالمة إلا أن تدهور الزراعة منذ أواخر عهد بطلميوس الثالث قد استتبعه تدهور الصناعة وفشلت الجهود التي بذلت لوقف تدهورها ومحاولات النهوض بها من جديد.. ومن الناحية التــجارية، كانت الحكومة تشرف على التجارة بأجمعها وتنظم شؤونها، فكان بائعو الأشتات عادة وكلاء معينين من قبل الدولة لتوزيع بضائع الدولة، وكانت الدولة تمتلك جميع طرق القوافل. وقد أدخل بطليموس الثاني الجمل في مصر وأقام مخفرًا من راكبي الجمال في جنوب القطر، يتولى نقل المخابرات الحكومية دون غيرها، ولكن هذه المخابرات كانت تشمل الرسائل التجارية كلها تقريبًا. وكان نهر النيل غاصًا بسفن الركاب والبضائع، ويبدو أن هذه السفن كانت ملكًا للأفراد وخاضعة لأنظمة الدولة. وقد أنشأ البطالمة لتجارة البحر الأبيض المتوسط أعظم أسطول تجاري في ذلك الوقت، وكانت حمولة السفينة الواحدة من سفنه تبلغ ثلاثمائة طن. وكانت مخازن الإسكندرية تستهوي التجارة العالمية، وكان مرفأها المزدوج مما تحسدها عليه سائر المدن، كما كانت منارتها من عجائب الدنيا السبع. وكانت حقول مصر ومصانعها كبيرة وصغيرة تنتج قدرًا كبيرًا من الغلات الزائدة على حاجة البلاد تباع في الأسواق النائية التي تصل إلى الصين شرقاً، وإلى أواسط إفريقيا جنوباً، وإلى روسيا والجزائر وبريطانيا شمالًا. وقد سار الرواد المصريون جنوبًا حتى بلغوا زنجبار وبلاد الصومال ونقلوا إلى العالم أخبار سكان الكهوف الذين يعيشون على سواحل إفريقيا الشرقية ويقتاتون بالأطعمة البحرية، والنعام، والجزر، وجذور النبات. واستطاعت السفن المصرية أن تقضي على سيطرة العرب على تجارة الهند مع بلاد الشرق الأدنى بسيرها من النيل إلى الهند مباشرة، وأضحت الإسكندرية بتشجيع البطالمة وحكمتهم أهم الثغور التي يُعاد منها شحن البضائع المرسلة إلى أسواق بلاد البحر المتوسط. وكان مما زاد في سرعة نماء التجارة والصناعة وإزدهارهما ما قدمته المصارف المالية من تسهيلات عظيمة. لقد بقي في مصر حتى ذلك الوقت قدر من المقايضة ورثته البلاد من العهود القديمة، وكانت الحبوب المحفوظة في المخازن الملكية بمثابة رصيد احتياطي للمصارف، ولكن إيداع الحبوب وسحبها، وتحويلها من يد إلى يد كان في الاستطاعة إتمامها على الورق بدل إجراء هذه العمليات بالفعل. وقد قام إلى جانب هذه المقايضة المعدلة نظام اقتصادي نقدي معقد. والواقع أن الصراع بين البطالمة والسوليقيين الذي بدأ منذ قيام أسرتيهما فى مصر وسوريا بعد وفاة الإسكندر لم يكن نزاعًا سياسيًا فحسب بل كان نتيجة للمنافسة التجارية إذ حاول كل منهما السيطرة على الطرق التجارية الهامة التي كانت تربط بين الشرق من ناحية وبين البحر من ناحية أخرى.. ومن الناحية الإدارية فقد اجتمعت التقاليد المصرية والشرائع اليونانية على إقامة نظام تشريعي أخذت بعضه عن القانون الأثيني وحسنت فيه من جميع نواحيه ما عدا ناحية “الحرية”. وكان لأوامر الملك قوة القانون بأكملها، ولكن المدن كانت تستمتع بقسط كبير من الحكم الذاتي، وكانت الجماعات المصرية، واليونانية، واليهودية، تخضع كل منها لشرائعها الخاصة، وتختار قضاتها، وتحاكم أمام محاكمها. وكانت حكومة البطالمة أقدر الحكومات وأحسنها نظامًا في العالم الهلنستي، وقد أخذت شكلها القومي المركزي عن مصر وفارس، واستقلال مدنها بشؤونها الخاصة عن بلاد اليونان، وقد قسمت البلاد إلى أقاليم، يدير كل منها موظفون يعينهم الملك، وكانوا كلهم تقريبًا من اليونان. وقد أغفل البطالمة ما كان يعتزمه الإسكندر من جعل اليونان والشرقيين أو المصريين يعيشون ويختلطون على قدم المساواة بعد أن تبين لهم أن هذه الفكرة غير إقتصادية، ورغم أن المشرفين اليونان أدخلوا على حياة مصر الاقتصادية كثيرًا من الرقي في النواحي الفنية والإدارية، وزادوا ثروة البلاد من الناحية الاقتصادية، لكنهم استولوا على ما زاد من هذه الثروة عن طريق الضرائب الباهظة. وتعهد بجباية هذه الضرائب جماعة من الأخصائيين، تراقب هي أعمالهم، وتجعل أملاكهم ضمانًا تحت يدها حتى يؤدوا لها حقها.. ومن ناحية الأوضاع الاجتماعية، حرص البطالمة على الظهور أمام الشعب المصرى بمظهر الحكام العادلين الوطنيين، فاحترموا عاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها من الفراعنة القدامى، والتدرج الهرمي للمجتمع. وخلال العصر البطلمي، ظل الإغريق على رأس الهرم الاجتماعى طيلة حكمهم. ففى بداية العصر اليونانى كانت هناك طبقة أرستقراطية مصرية بصنفيها المدنى والدينى. بيد أن الوجه المدنى أخذ دوره الاجتماعي يتلاشى حين صادر البطالمة ممتلكاتهم، باستثناء فئة قليلة ممن التحقوا بالجيش وترقوا فيه. أما الوجه الديني فظل محتفظًا بأرستقراطيته، بل تعاظم نفوذه خلال الفترة الوسطى من حكم البطالمة نتيجة حرص الملوك على اكتساب رضائه. وتلى تلك الطبقة طبقة المحاربين التي نسبت فيها المناصب العليا إلى الجنود الأجانب الذين اعتمد عليهم البطالمة في تكوين جيوشهم وأغدقوا عليهم العطايا والهبات. وتلا ذلك موظفي الدولة. وكانت المناصب العليا تنسب إلى الإغريق، ويأتى من بعدهم المصريين، ثم يأتي في قاعدة الهرم ملايين المصريين العاملين في الزراعة والصناعة والتجارة اللذين عانوا مختلف صنوف المشقة والألم.
غلب الطابع الإغريقي على البطالمة في معيشتهم وعاداتهم وتقاليدهم، فكانت معظم مبانيهم على الطراز الإغريقي ولكنهم حاولوا تقليد الطراز المصري القديم والمزج بين الطرازين كما كانت تماثيلهم خليطًا من الفن الإغريقي والفن المصري القديم. وعرفت مصر فى عصر البطالمة اللغة الإغريقية التي اُعتبرت لغة رسمية وتحدثت بها الجاليات الإغريقية وكانت لغة الدواوين والمنشآت العلمية والثقافية بمدينة الإسكندرية، ولكن المصريين استمروا طوال ذلك العهد يتكلمون ويكتبون باللغة المصرية القديمه وكان من الطبيعي أن يحدث تأثير متبادل بين اللغتين في استعارة بعض الألفاظ من إحداها وشيوع استخدامها في الأخرى. وقد عثر أحد رجال الحملة الفرنسية على مصر في أواخر القرن الثامن عشر على حجر دون علية نص من عهد البطالمة بثلاثة خطوط، الخط الهيروغليفي، والخط اليوناني، والخط الديموطيقي، وقد ساعد هذا الحجر المعروف باسم “حجر رشيد” والمعروض حاليًا بالمتحف البريطاني بلندن على حل رموز الكتابة الهيروغليفية. ولقد وعي الإسكندر والبطالمة من بعده الدرس الذي لقنه المصريون للفرس عندما أهانوا آلهتهم، وأدركوا مدى قوة عقيدة المصريين الدينية، ولذا فقد اتبعوا سياسة تجاه الحضارة المصرية بوجه عام والديانة المصرية بوجه خاص تنطوي على الاحترام الكامل فتسابقوا في حمل الألقاب الملكية القديمة ومثلوا أنفسهم في المناسبات الرسمية مرتدين زي الفراعنة، وقدموا القرابين للمعبودات المصرية ومنحوها الهبات وانشأوا المعابد والهياكل على الطراز الفرعوني كما اصلحوا منها وعملوا على زخرفتها وإضافة بعض الملحقات إليها، وصوروا أنفسهم على جدرانها وفقًا للتقاليد الفرعونية كما عملوا على التوفيق بين الديانتين وحاولوا على سبيل المثال التوحيد بين زيوس كبير معبوداتهم وآمون كبير الآلهة المصرية. ولقد بلغ من تأثر الإغريق في ذلك العصر بالديانة المصرية أن اصبحت عقيدة الإله إيزيس عبادة شائعة في بلاد الإغريق نفسها، كما مزجوا الديانة المصرية بالديانة الاغريقية من خلال معبود جديد سموه “سرابيس” أقاموا له معبد السرابيوم في مدينة الإسكندرية. أما المعابد ذات الطراز المصري القديم التي اهتم البطالمه بإقامتها أو بتجديدها وتوسيعها فقد امتازت جميعها بضخامتها وجمال نقوشها وروعة أعمدتها وتماثيلها. ومن أشهر هذه المعابد معبد إدفو وهو مبنى فخم رائع خُصص لعبادة الإله حورس. ويعد أكمل ما حُفظ من معابد العصر البطلمي بل من معابد مصر أجمعها. كما أقاموا معبد دندرة الضخم تجاه مدينة قنا الحالية والذي خُصص لعبادة الإله حاتور ربة الأمومة والحب والجمال لدى المصرين القدماء، ولا يزال قائمًا يشمخ بأعمدته الضخمة ونقوشه الرائعة وبملحقاته المتكاملة. ويُعد معبد جزيرة فيلة أشهر المباني الدينية التي ترجع إلي عصر البطالمة. وقد احتلت عبادة إيزيس مكان الصدارة هناك ومن حولها طائفة من المعبودات المصرية القديمة الأخرى وظل تقديس إيزيس قائمًا في تلك البقعة إلى وقت غير قصير بعد دخول المسيحية إلى مصر كما تميزت معابد فيلة بجمال الطبيعة حولها، حتى لقد سميت بلؤلؤة مصر.
زخرت الإسكندرية بالعديد من المنشآت الاقتصادية والثقافية التي خلدها التاريخ رغم ضياع معظم معالمها الآن. وقد اشتهرت مدينة الإسكندرية البطلمية بوجه خاص بثلاث منشآت، وهي المنارة، ودار البحث العلمي (الجامعة)، والمكتبة. فقد شيدت منارة الإسكندرية على مدخل الميناء الشرقي وفي الجزء الجنوبي من جزيرة فاروس حيث توجد قلعة قايتباي الآن. وكان الهدف من إقامتها هداية السفن القادمة إلى الإسكندرية إذ كان نورها يُرى على بعد خمسين كيلومترًا من الشاطىء بواسطة مرآة كانت تستخدم في عكس الضوء لمسافات بعيدة. وقد اُعتبرت إحدى عجائب العالم القديم. وقد شُيدت هذه المنارة في عصر بطلميوس الثاني حوالي سنه 280 ق.م على شكل برج بلغ ارتفاعه حوالي 135 مترًا واستخدم في بنائها الحجر الجيري كما حُليت بأعمدة من الجرانيت والرخام وبحليات من البرونز وكان المبنى مكونًا من ثلاثة طوابق، الطابق الأول مربع الشكل والثاني مثمن الشكل أما الطابق الثالث فكان اسطوانيًا يعلوه مصباح تغطيه قبة يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار، أُقيم فوقها تمثال ضخم من البرونز بلغ ارتفاعه سبعة أمتار ويرجح أنه كان لإله البحار عند الإغريق. وكان طول المنارة وقتها ألف ذراع والمرآة الكبيرة في أعلاه.. وأعطى البطالمة اهتمامًا خاصًا للعلوم والآداب، فأنشأوا دار العلم في الحي الملكي، وألحقوا بها مكتبة الإسكندرية، وأُطلق على الأدب اليوناني في تلك الفترة الزمنية اسم الأدب السكندري، حيث تم وضع أسس النقد الأدبي، وتم تسجيل ونشر ملاحم هوميروس وتاريخ هيرودت. ومن أبرز العلماء اللذين درسوا في الإسكندرية “إقليدس” في الرياضيات، و”أرشميدس” في الفيزياء، و”أرستارخوس” في الفلك الذي توصل إلى نظرية دوران الشمس قبل “كوبرنيكوس” بعدة قرون، وكذلك “أراتوستيثنز” الذي نجح في قياس محيط الشمس… وبذلك نجد أن مصر بحضارتها العريقة وتراثها الثقافي والأدبي والعلمي، ورسالتها الإنسانية الكونية، استطاعت أن تبتلغ الغزاة الإغريق وأن تمصرهم بشكل كامل، وأن تصبح بهم عاصمة الكون، ومنارة العالم، وان تحافظ على استقلالها التام طيلة حكم الأسرة البطلمية. ولكن لتطورات تاريخية وعالمية جديدة تمثلت في بروز امبراطورية ناشئة وفتية ورثت العالم الإغريقي وأدخلته ضمن عالمها الجديد، وهي الإمبراطورية الرومانية، التي نعتبرها بداية الاحتلال الحقيقي لمصر… وهو موضوع مقالتنا القادمة.